الباراسيكولوجي
الباراسيكولوجي
علم الباراسيكولوجي من منظور شرعي :
قال ابن القيم:
“ولا ريب أن الله سبحانه خلق في الأجسام والأرواح قوى وطبائع مختلفة، وجعل في كثير منها خواص وكيفيات مؤثرة، ولا يمكن لعاقل إنكار تأثير الأرواح في الأجسام، فإنه أمر مشاهد محسوس… والأرواح مختلفة في طبائعها وقواها وكيفياتها وخواصها … “
الباراسيكولوجي في التراث الإسلامي :
ليس في تراثنا علم خاص اسمه الباراسيكولوجيا، ولا علم آخر مقابل له يستخدم المناهج نفسها والأساليب ذاتها التي تسير عليها الباراسيكولوجيا.. فهذا فن معاصر. لكن المسلمين عرفوا أكثر ظواهر الباراسيكولوجيا، بل عرفوا أشياء أخرى لا توجد عند المعاصرين. ثم كانت لعلمائنا آراء ودراسات ونظريات في هذا المجال… ولذلك كانوا واعين بأن هذه الظواهر يمكن أن تشكل علما مستقلا، بل علوما متعددة. وفي هذا الإطار اعتبر بعض المصنفين في أقسام العلوم أن من فروع العلم الطبيعي: الفراسة، وتفسير الرؤيا، وأحكام النجوم، والسحر والطلسمات والسيمياء والكيمياء.. وهذا التقسيم هو الذي اختاره حاجي خليفة الذي جعل من فروع السحر أيضا: الكهانة والنيرنجات والخواص والعزائم والاستحضار والشعبذة والاستعانة بخواص الأدوية…
وفيما يلي تعريف ببعض الظواهر الغريبة وبحقيقتها عند العلماء المسلمين، وهو ما سيعيننا لا حقا في استنباط الحكم الفقهي للباراسيكولوجيا الحديثة:
الكهانة والعرافة :
الباراسيكولوجى والاسلام
تعتبر الكهانة من أهم الأسباب التي ركزت الشرك قديما، لأن إصابتها في الإخبار ببعض المغيبات أقنع الناس بصحتها وصحة استشارة الآلهة، وهي الاستشارة التي كان يقوم الكهنة بالتوسط فيها بين البشر والآلهة..
نموذج ابن صياد :
ويبدو أن ابن صياد من هؤلاء الكهنة والعرافين الذين عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم. وهو من بني النجار من أهل المدينة، أو من حلفائهم من اليهود. وقد جرت له قصة مع الرسول الكريم رواها الحفاظ، إذ سأله مرة عن ماذا يرى، فقال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب. فقال له صلى الله عليه وسلم : خُلط عليك الأمر. ثم خبأ له النبي شيئا- إما في نفسه، وهي آية الدخان، وإما في يده أو كُمه-، ثم سأله عنه ليختبره. فأجاب ابن صياد: هو الدخ. فقال له: اخسأ فلن تعدو قدرك. أي أن ابن صياد أجاب بجواب صحيح، لكنه ناقص. ولذلك اعتبره العلماء من الكهان
التنبؤ في التراث الإسلامي :
يوجد توافق كبير بين آراء بعض العلماء المسلمين ونتائج الباراسيكولوجيا المعاصرة حول هذا الموضوع. وقد سبق أن رأينا أن علماءنا يقسمون الكهانة إلى نوعين: كهانة بوسيط، وأخرى ذاتية بلا وسيط.
ومن الذين تعرضوا لهذا الموضوع وقالوا بأن لبعض الناس قدرة خاصة على إدراك بعض المغيبات: المسعودي، وابن سينا، وابن القيم، وابن خلدون….
قال ابن خلدون: “إنا نجد في النوع الإنساني أشخاصا يخبرون بالكائنات قبل وقوعها بطبيعة فيهم يتميز بها صنفهم عن سائر الناس، ولا يرجعون في ذلك إلى صناعة ولا يستدلون عليه بأثر من النجوم ولا غيرها، إنما نجد مداركهم في ذلك بمقتضى فطرتهم التي فطروا عليها، وذلك مثل العرافين والناظرين في الأجسام الشفافة… وأهل الزجر.. والطرق.. وهذه كلها موجودة في عالم الإنسان لا يسع أحد جحدها ولا إنكارها
المحدَّثون :
وهذه حالة أخرى عزيزة الوجود، ولكنها موجودة. وأشهر أصحابها في تاريخنا هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: إنه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدثون، وإنه إن كان في أمتي هذه منهم فإنه عمر3. قال الخطابي: ” المحدث الملهم يًُلقى الشيء في روعه فكأنه قد حدث به، فيظن فيصيب، ويخطر الشيء بباله فيكون..” 4 وقيل: هم الذين تكلمهم الملائكة. وقيل : بل هو من باب الفراسة والتوسم، لبعض الناس فيه قوة خاصة…
ابن القيم رائدا للباراسيكولوجيا :
ويمكن أن نعتبر ابن القيم رحمه الله من أبرز العلماء الذين اعتنوا بظواهر الباراسيكولوجيا في تاريخنا الإسلامي، فكتبوا عنها وحللوها ودرسوها
أن لكثير من الظواهر الغريبة صلة بالروح وعالمها الخفي. وابن القيم من أفضل من درس موضوع الروح في التراث الإسلامي، فالروح عنده ” جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس، وهو جسم نوراني علوي خفيف حي متحرك ينفذ في جوهر الأعضاء ويسري فيها سريان الماء في الورد …” 1
واستدل ابن القيم – في بحثه القيم – على جسمية الروح بوجوه كثيرة بلغت ست عشرة ومائة، إضافة إلى ردود واسعة على مذاهب الخصوم…وأبطل القول بأن ” الروح عبارة عن عرض من أعراض البدن، أو جوهر مجرد ليس بجسم ولا حال فيه”2. وذكر تنبيها حسنا في مسألة المصطلح، قال: “إن مسمى الجسم في اصطلاح المتفلسفة والمتكلمين أعم من مسماه في لغة العرب وعرف أهل العرف، فإن الفلاسفة يطلقون الجسم على مقابل الأبعاد الثلاثة خفيفا كان أو ثقيلا، مرئيا كان أو غير مرئي، فيسمون الهواء جسما والنار جسما.. ولا يعرف في لغة العرب تسمية شيء من ذلك جسما البتة.. ( فعندهم) الجسم الجسد.. ونحن إذا سمينا النفس جسما فإنما هو باصطلاحهم وعرف خطابهم، وإلا فليست جسما باعتبار وضع اللغة. ومقصودنا بكونها جسما إثبات الصفات والأفعال والأحكام التي دل عليها الشرع والعقل والحس من الحركة والانتقال والصعود والنزول ومباشرة النعيم والعذاب واللذة والألم وكونها تحبس وترسل وتقبض وتدخل وتخرج. فلذلك أطلقنا عليها اسم الجسم تحقيقا لهذه المعاني، وإن لم يطلق عليها أهل اللغة اسم الجسم.” 1
وقال أيضا: ” ولا يجب اشتراك الأجسام في جميع الكيفيات والصفات.. (فـ) للنفس من الكيفيات المختصة بها ما لا يشاركها فيها البدن.” 2وفي هذا جواب عن الاعتراض المفترض بأن علم التشريح اليوم لم يجد بجسد الإنسان عضوا يكون هو الروح.
كما صحح ابن القيم أن الروح تأخذ من بدنها صورة تنطبع بها وتتميز بها عن غيرها، 3ومما قال في هذه المسألة: ” أخبرك بأمر إذا تأملت أحوال النفس والأبدان شاهدته عيانا: قل أن ترى بدنا قبيحا وشكلا شنيعا إلا وجدته مركبا على نفس تشاكله وتناسبه.”4
وقال أيضا: ” ومما ينبغي أن يعلم أن ما ذكرنا من شأن الروح يختلف بحسب حال الأرواح من القوة والضعف، والكبر والصغر.” 5
وينبهنا ابن القيم إلى أمر هام يسلم به اليوم علم الباراسيكولوجيا: ” عالم الأرواح عالم آخر أعظم من عالم الأبدان، وأحكامه وآثاره أعجب من آثار الأبدان، بل كل ما في العالم من الآثار الإنسانية فإنما هي من تأثير النفوس بواسطة البدن، فالنفوس والأبدان يتعاونان على التأثير تعاون المشتركين في الفعل، وتنفرد النفس بآثار لا يشاركها فيها البدن، ولا يكون للبدن تأثير لا تشاركه فيه النفس. “
وقد تكلم ابن القيم مطولا في إثبات تلاقي أرواح الأحياء بأرواح الأموات، وهي مسألة الرؤيا، إلى حد كبير . وذكر- مما له علاقة بالنوم – أمرا عجيبا استدل له بشواهد كثيرة، وهو أن ” روح النائم يحصل لها في المنام آثار فتصبح يراها على البدن عيانا، وهي من تأثير الروح في الروح “
وفي باب التخاطر يقول رحمه الله: ” ومن العجب أن أرواح المومنين المتحابين المتعارفين تتلاقى وبينها أعظم مسافة وأبعدها ، فتتألم وتتعارف فيعرف بعضها بعضا، كأنه جليسه وعشيره، فإذا رآه طابق ذلك ما كان عرفته روحه قبل رؤيته .”
ويتحدث ابن القيم أيضا عن الإلهام والأحوال الخارقة، فيفرق بين إلهام الملك وإلقاء الشيطان، وكذا بين الحال الإيماني والحال الشيطاني.
ومن المعروف أن بعض الظواهر الغريبة تتعب أصحابها جدا، بحيث يحصل لهم إعياء جسدي عظيم، وابن القيم يعرف هذا جيدا:”وكيف يستنكر من يعرف الله سبحانه ويقر بقدرته أن يحدث حوادث يصرف عنها أبصار بعض خلقه، حكمة منه ورحمة بهم، لأنهم لا يطيقون رؤيتها وسماعها.”
وكذلك يشير ابن القيم إلى فكرة الاستعداد الذاتي لتقبل بعض الظواهر الغريبة، وإلى تفاوت النفوس في ذلك، فيقول في السحر: ” وبالجملة فسلطان تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة التي يكون ميلها إلى السفليات، قالوا: والمسحور هو الذي يعين على نفسه، فإنا نجد قلبه متعلقا بشيء، كثير الالتفات إليه، فيتسلط على قلبه بما فيه من الميل والالتفات ..”. 4 وهذا صحيح بحسب العلم المعاصر الذي يثبت علاقة جدلية من تبادل التأثير والتأثر بين النفس والجسم.
وتعرض ابن القيم أيضا لموضوع الفراسة، وهو– في الواقع – ليس من موضوعات الباراسيكولوجيا، بل هو أقرب إلى علم النفس، لصلته بمباحث الذكاء البشري والقدرات الذهنية. لكن من الإدراك البشري نوع لا علاقة له بالعقل، لعله المقصود في حديث النبي صلى الله عليه وسلم : اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله.5
لذلك يعتبر ابن القيم بأن الفراسة ” نور يقذفه الله في القلب، فيخطر له الشيء فيكون كما خطر له، وينفذ إلى العين فترى ما لا يراه غيرها ” 1.
وأوسع موضع درس فيه ابن القيم مسألة الفراسة هو كتابه الطرق الحكمية، والذي ابتدأه ببحث جواز القضاء بالفراسة، لكن عامة الأخبار والحكايات التي ذكرها هي من باب القرائن والأمارات، أي حكم القاضي بالاستناد إلى قرينة ما، قد تكون جد خفية2.
ولابن القيم كذلك اعتناء بظواهر التأثير عن بعد (ظواهر PK في الاصطلاح الباراسيكولوجي)، وأبرز مثال لذلك هو الإصابة بالعين. وقد شرحه ابن القيم وبين منشأه، قال: ” تأثيرات النفوس بعضها في بعض أمر لا ينكره ذو حس سليم ولا عقل مستقيم، ولا سيما عند تجردها نوع تجرد عن العلائق البدنية، فإن قواها تتضاعف وتتزايد بحسب ذلك… فإن تأثيرها في العالم يقوى جدا تأثيرا يعجز عنه البدن. وأعراضه أن تنظر إلى حجر عظيم فتشقه أو حيوان كبير فتتلفه أو إلى نعمة فتزيلها، وهذا أمر قد شاهدته الأمم على اختلاف أجناسها وأديانها، وهو الذي سمي إصابة العين، فيضيفون الأثر إلى العين ، وليس لها في الحقيقة، وإنما هو للنفس المتكيفة بكيفية ردية سمية . وقد تكون بواسطة نظر العين ، وقد لا تكون، بل يوصف له الشيء من بعيد فتتكيف عليه نفسه بتلك الكيفية فتفسده، وأنت ترى تأثير النفس في الأجسام صفرة وحمرة وارتعاشا بمجرد مقابلتها لها وقوتها، وهذه وأضعافها آثار خارجة عن تأثير البدن وأعراضه، فإن البدن لا يؤثر إلا فيما لاقاه وماسه تأثيرا مخصوصا. ولم تزل الأمم تشهد تأثير الهمم الفعالة في العالم، وتستعين بها، وتحذر أثرها..” .
وبعد إثبات العين ومحاولة تعليلها أورد ابن القيم أنواعا من العلاج بالأذكار والرقي وغيرها … وذلك في كتابه: زاد المعاد ..
الحكم الفقهي و الشرعي للظواهر ذات علاقة بقدرات إنسانية خاصة وغير عادية و دراستها :
باراسكولوجى
لا يوجد أي حرج شرعي في دراسة الظواهر الثانية، فالبحث في مواهب الاستشفاف والجلاء البصري وتأثير الفكر في المادة… مثله مثل البحث المعروف في علم النفس التربوي عن قدرات الذكاء والذاكرة والانتباه… ونحو ذلك. فهذا كله جائز، بل ومستحب. وإذا ثبت أن الأمة تحتاج إلى هذا البحث، فإنه يصبح من فروض الكفاية. وكما يجوز أن يدرس المسلم هذا العلم، يجوز أيضا أن تخصص له الدولة مركزا للبحث أو قسما من أقسام التعليم الجامعي.
وذلك لأن البحث في هذه المواهب الخارقة ممكن، بل إنه لا يزال يتواصل في علم النفس اكتشاف القدرات العقلية للإنسان،
وقد كان علماؤنا على وعي تام بأن بعض الناس يمتلك مواهب غير عادية،مثل الفراسه ..
هذا المقال من كتاب علم الباراسيكولوجي وأسرار الطاقات الخفية :
للكتاب والمحاضر الدولي الدكتور وليد صلاح الدين
[maxbutton id=”1″]



